السيد كمال الحيدري
27
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
والعرْضية . ففي مثال النار والحرارة ينتهى منطق هؤلاء إلى أنّه إذا فرضنا أنّ الأثر وهو الحرارة فِعْل النار ، فيستحيل أن يكون فِعل الله ، وإذا أذعنّا أنّ هذا الأثر الحرارة فِعل الله ، فيستحيل أن يكون فعل النار ؛ لاستحالة توارد علّتين وسببين على معلول واحد « 1 » . ثمّ إنّ الله سبحانه إذا فعَل الفعل ، فلا معنى لتأثير النار فيه ؛ لأنّه إذا قلنا أنّ النار توجِد الحرارة ، فالحرارة موجودة ، ومعنى الكلام أنّ النار توجد الموجود ، وهذا تحصيل حاصل . أمّا إذا قلنا أنّها توجِد المعدوم ، فالمفروض أنّ الحرارة موجودة ، وهذا خلف . أمّا إذا غيّرنا المنطلق ونسبنا الأثر لا إلى الله ، وإنما نسبناها إلى النار ذاتها ، فلا معنى عندئذ أن نقول إنّ الله هو الموجِد . للتخلّص من هذه المشكلة ونفى التعارض الذي تصوّروه بين إثبات فاعليّة الله وإثبات فاعليّة وأثر ما عداه ، عمد أولئك إلى إبطال السببيّة ونفى تأثير ما سوى الله مطلقاً . هذا المنطق صحيح لو فرضنا أنّ علّية الله وتأثيره سبحانه في إيجاد الحرارة يقع في عرْض إيجاد النار للحرارة ، أمّا إذا قيل بطولية التأثير فستزول المشكلة ؛ لأنّ التأثير ليس في عرْض واحد ليتنافى . إنّ فك الالتباس في هذه المسألة في ضوء التمييز بين العلل الطولية والعرْضية يفسح المجال عريضاً لصياغة تصوّر في توحيد الخالقية لا تتنافى فيه مدلولات طائفتى الآيات التي تنسب التأثير إلى الله وحده ، وتلك التي تنسبه لفواعل أخرى .
--> ( 1 ) للمرء أن يقول لهؤلاء السادة : إنّ هذا استدلال ، والاستدلال لا يتمّ إلّا بقانون السببية . أمّا مع عدم الإذعان إلى العلاقة الضرورية الكائنة بين المقدّمات والنتيجة فلا يمكن أن يثمر الكلام عن شئ حتّى لو كانت المقدّمات تامّة وصحيحة ، ومن ثمّ فإنّ « لابدّية » النتيجة لا تصحّ إلّا على الإيمان بمبدأ السببية .